بقلم: د. أسامه عزيز
دكتوراه في إدارة الأعمال
حين يتحول العمل من مصدر إنجاز إلى عبء وجودي
في عالمٍ تتسارع فيه وتيرة العمل بلا هوادة، لم يعد الاحتراق النفسي مجرد حالة فردية من الإرهاق المؤقت، بل تحوّل إلى ظاهرة عالمية تهدد الصحة النفسية للعاملين، وتضرب في عمق كفاءة المؤسسات واستدامتها.
بين ضغط الإنجاز، وسباق الأرقام، وهيمنة ثقافة “العمل بلا توقف”، يجد الإنسان نفسه في مواجهة صامتة مع ذاته، قد تنتهي بفقدان الشغف، أو الانسحاب النفسي، أو حتى الانهيار الكامل.
ما هو الاحتراق النفسي؟
عرّفت منظمة الصحة العالمية (WHO) الاحتراق النفسي بأنه متلازمة ناتجة عن ضغوط مزمنة في مكان العمل لم يتم التعامل معها بنجاح، مؤكدة أنه ظاهرة مهنية مرتبطة بالعمل وليست مرضًا نفسيًا في حد ذاته.
ويتجلى الاحتراق النفسي في ثلاث صور رئيسية:
إرهاق شديد وفقدان مستمر للطاقة
تبلّد المشاعر والسلبية أو التهكم تجاه العمل
تراجع الكفاءة المهنية وضعف الأداء والإنتاجية
هذا التعريف أدرج رسميًا في التصنيف الدولي للأمراض ICD-11، ما يعكس خطورة الظاهرة واعتراف المؤسسات الدولية بها.
كيف يبدأ الاحتراق النفسي؟
الخطورة الحقيقية للاحتراق النفسي تكمن في كونه عملية تراكمية لا تحدث فجأة. يبدأ الأمر بحماس زائد، ثم إجهاد متكرر، ثم إنهاك صامت، إلى أن يصل الفرد إلى مرحلة “العمل الآلي” بلا روح أو دافع.
ومن أبرز أسبابه:
ضغط العمل المستمر دون فترات راحة حقيقية
غياب التقدير، وضعف التحفيز المعنوي مقابل الجهد المبذول
غموض الأدوار الوظيفية وتضارب التعليمات
المركزية المفرطة وحرمان العاملين من المشاركة في اتخاذ القرار
ثقافة عمل سامة تمجّد الإرهاق، وتربط القيمة الإنسانية بعدد ساعات العمل لا بجودة الإنجاز
أمثلة من الواقع العملي
في كثير من المؤسسات، يُكافأ الموظف الأكثر إنهاكًا لا الأكثر كفاءة، ويُنظر إلى طلب الإجازة أو الراحة باعتباره ضعفًا أو قلة التزام.
هذا النمط الإداري يُنتج موظفين “حاضرين جسديًا، غائبين ذهنيًا”، ويخلق بيئة عمل تستنزف الإنسان بدل أن تطوّره.
الاحتراق النفسي… تكلفة خفية على المؤسسات
لا يتوقف أثر الاحتراق النفسي عند حدود الفرد، بل يمتد ليصيب المؤسسة بخسائر مباشرة وغير مباشرة.
تشير تقارير Gallup إلى أن الموظفين الذين يعانون من الاحتراق النفسي:
أقل إنتاجية بنسبة ملحوظة
أكثر عرضة للغياب المرضي
أكثر ميلًا لترك العمل أو البحث عن فرص بديلة
أكثر ارتكابًا للأخطاء المهنية
وتقدّر دراسات عالمية خسائر الاحتراق النفسي بمليارات الدولارات سنويًا نتيجة انخفاض الأداء ودوران العمالة.
من المسؤول؟
المسؤولية هنا مشتركة ولا يجوز اختزالها في طرف واحد.
أولًا: الفرد
إدارة طاقته لا وقته فقط
وضع حدود صحية بين العمل والحياة الشخصية
إدراك أن الاستنزاف المستمر ليس بطولة بل خطر
ثانيًا: المؤسسة
تبنّي سياسات عمل مرنة وعادلة
توفير نظم دعم نفسي ومهني
إعادة تعريف النجاح بعيدًا عن ثقافة “الضغط الدائم”
بناء بيئة إنسانية تحترم قدرات البشر قبل أرقام التقارير
الاحتراق النفسي والإدارة الحديثة
الإدارة المعاصرة لم تعد تقاس فقط بقدرتها على تحقيق الأرباح، بل بقدرتها على الحفاظ على الإنسان المنتج.
فالموظف المحترق لا يمكن أن يكون مبدعًا، ولا مبتكرًا، ولا شريكًا حقيقيًا في النجاح.
خلاصة القول
الاحتراق النفسي ليس ضعفًا فرديًا، بل جرس إنذار تنظيمي وثقافي.
والمؤسسات الذكية هي التي تدرك أن الاستثمار الحقيقي لا يكمن في الأنظمة والتكنولوجيا فقط، بل في الإنسان القادر على الاستمرار، والإبداع، والعطاء دون أن يحترق.

