في مشهد إنساني وروحي مهيب، وبمباركة وحضور نيافة الأنبا أبانوب، نظّمت كنيسة السيدة العذراء مريم والقديس بولس الرسول بالعمرانية احتفالية مميزة ضمن فعاليات عيد الأم، من خلال اجتماع الأسرة، وسط أجواء امتزجت فيها الفرحة بالمحبة، والتكريم بالتأثر، في يوم جسّد قيمة الأم ودورها العظيم في بناء المجتمع، وأعاد التأكيد على أن الأسرة المتماسكة هي حجر الأساس في بناء الأوطان.
وجاءت الاحتفالية برعاية القمص أكسيوس نصر الله خليل، راعي الكنيسة وأمين اجتماع الأسرة، الذي أكد أن تكريم الأمهات المثاليات هو أقل تقدير لما قدمنه من تضحيات وعطاء بلا حدود، مشيرًا إلى أن اختيار الأمهات تم بعناية فائقة ليكونوا نماذج مشرفة يُحتذى بها في الصبر، والمحبة، وتحمل المسؤولية.
وعلى أنغام ترنيمة “أمنا يا عذراء يا أم المسيح يا اللي فيكي دايمًا بيحلو المديح”، علت مشاعر الفرح داخل الكنيسة، حيث تم تكريم ثلاث من الأمهات المثاليات، حيث تزينّ بوشاح الأم المثالية، وهن:
الأم/ ماجدة صلاح جرجس
الأم/ نجوى حلمي حنا
الأم/ نجاح مهني بضابا
وقد تم تقديم الورود والهدايا لهن وسط تصفيق الحضور، في لفتة إنسانية تعكس تقدير الكنيسة لدور الأم كركيزة أساسية في الأسرة، وصاحبة الفضل الأول في غرس القيم والمبادئ داخل نفوس الأبناء، فهي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الحب والعطاء والانتماء.
وألقى نيافة الأنبا أبانوب عظة روحية مؤثرة بعنوان “أكرم أباك وأمك”، شدد خلالها على أن برّ الوالدين ليس مجرد واجب اجتماعي أو تقليد متوارث، بل هو وصية إلهية تحمل في طياتها سر البركة وطول العمر وسلام القلب. وأوضح نيافته أن إكرام الوالدين لا يقتصر على الطاعة في الصغر، بل يمتد ليشمل الرعاية والاهتمام والاحتواء في مراحل الكِبر والشيخوخة، حين يصبح الأب والأم في أمسّ الحاجة إلى أبنائهم.
وأكد أن أعظم صور البر هي أن يشعر الوالدان بالأمان داخل بيوتهم، وأن يحيطهما الأبناء بالحب والاهتمام، لا أن يُتركا للوحدة أو الإهمال، مشيرًا إلى أن رعاية الوالدين في شيخوختهم هي اختبار حقيقي لإنسانية الأبناء ووفائهم. كما أشار إلى أن المجتمعات التي تُكرم كبارها وتحفظ مكانتهم هي مجتمعات قوية ومباركة، لأن الرحمة فيها متجذرة في القلوب.
وفي لحظة امتزجت فيها الكلمات بالدموع، اختتم نيافته اللقاء بقصيدة مؤثرة جسدت معاناة أم يخشى قلبها أن تُترك وحيدة، بعدما قرر ابنها اصطحابها إلى دار للمسنين، لتصرخ بكلمات تهز الوجدان:
“ليه يا بني... بتلم ليه الهدمتين والشبشبين ؟
ما تقولي يا ابني واخدني فين؟
على بيت جديد؟ ما أنا ليا بيت!
هو أنا يا ابني كنت اشتكيت؟
البيت ده عشت فيه خمسين سنة...
جيت له عروسة صغيرة وكبرت فيه لما انحنيت...
أنا عشت يا ابني سنين هنا، وأتمنى أموت برضه هنا...
في الأوضة دي أنا لسه عايشة ويا أبوك عمري اللي فات...
أصل الحبايب لو فاتوك بيعيشوا فيك بالذكريات...
خليني يا ابني وسطكم... خليني عشان أحس بالأمان...”
قصيدة تركت أثرًا عميقًا في نفوس الحاضرين، وأعادت التذكير بقيمة الرحمة والوفاء داخل الأسرة، وأن الأم لا تحتاج سوى الاحتواء والاهتمام، وأن الكلمة الطيبة والوجود بجانبها قد يساويان الدنيا بأكملها.
وعقب انتهاء الاحتفالية، قام نيافة الأنبا أبانوب بجولة تفقدية داخل عيادة القديس بولس الرسول التابعة للكنيسة، والتي تقدم خدماتها ضمن خدمة المرضى، برفقة القمص أكسيوس نصر الله خليل، والدكتور أسامة عزيز كيرلس المشرف الإداري على الخدمة.
وخلال الزيارة، أشاد نيافته بالدور الإنساني الكبير الذي تقوم به العيادة في خدمة المرضى، خاصة غير القادرين، مؤكدًا أن الكنيسة تحمل رسالة متكاملة تجمع بين الرعاية الروحية والخدمة المجتمعية، حيث لا تنفصل الصلاة عن الخدمة، ولا ينفصل الإيمان عن العمل. كما صلى نيافته صلاة الشكر، وطلبة خاصة من أجل المرضى، طالبًا لهم الشفاء، وأن تمتد يد الله بالرحمة لكل متألم، وأن يبارك كل يد تخدم بمحبة وإخلاص.
هكذا أكدت كنيسة العذراء والقديس بولس الرسول بالعمرانية أن الاحتفال بعيد الأم ليس مجرد مناسبة عابرة، بل هو رسالة متجددة تدعو إلى إعادة إحياء القيم الأصيلة داخل الأسرة، وعلى رأسها برّ الوالدين ورعايتهما. وبين دموع التأثر وفرحة التكريم، يبقى صوت الأم شاهدًا حيًا على أعظم معاني العطاء، ويظل إكرامها ورعايتها في شيخوختها هو الطريق الأصدق لنيل البركة، وبناء مجتمع يسوده الحب والرحمة والوفاء.



