مصر التي نعيش فيها في ذكرى نياحة قداسة البابا شنودة الثالث

مصر التي نعيش فيها في ذكرى نياحة قداسة البابا شنودة الثالث
مصر التي نعيش فيها في ذكرى نياحة قداسة البابا شنودة الثالث


 


بقلم: د. أسامه عزيز كيرلس

في ذاكرة مصر أيام لا تُنسى، أيام تختلط فيها الدموع بالمحبة، والذكر.يات بالعرفان. ومن بين هذه الأيام تبقى ذكرى نياحة قداسة البابا شنودة الثالث علامة فارقة في وجدان المصريين. ففي ليلة السابع عشر من مارس عام 2012، باتت مصر حزينة، ليس فقط لأن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية فقدت بطريركها، بل لأن الوطن كله ودّع قامة روحية ووطنية وإنسانية أحبها المصريون على اختلاف أطيافهم.

كان البابا شنودة الثالث أكثر من مجرد بطريرك، بل كان معلمًا ومفكرًا وطنيًا وصوتًا للحكمة والاعتدال في زمن كثرت فيه التحديات. وعلى مدى أكثر من أربعة عقود جلس فيها على الكرسي المرقسي منذ عام 1971، وترك أثرًا عميقًا في الحياة الروحية والوطنية والتعليمية في مصر.

لمحة من سيرته الذاتية

وُلد البابا شنودة الثالث باسم نظير جيد روفائيل في 3 أغسطس عام 1923 بمحافظة أسيوط، ونشأ في بيئة مصرية بسيطة تشبّعت بمحبة الوطن والإيمان. تخرج في كلية الآداب قسم التاريخ من جامعة القاهرة، كما عمل مدرسًا وصحفيًا قبل أن يتجه إلى الحياة الرهبانية.

ترهبن في دير السريان عام 1954 باسم الراهب أنطونيوس السرياني، ثم اختير أسقفًا للتعليم عام 1962 في عهد البابا كيرلس السادس، حيث لعب دورًا مهمًا في تطوير التعليم الكنسي ومدارس الأحد. وفي عام 1971 انتُخب بطريركًا للكنيسة القبطية الأرثوذكسية وبابا للإسكندرية، ليصبح البابا رقم 117 في سلسلة باباوات الكرسي المرقسي. وخلال سنوات خدمته الطويلة ترك إرثًا روحيًا وفكريًا كبيرًا تمثل في عظاته وكتاباته التي أثرت الحياة الروحية في مصر وخارجها.

الدور الوطني

ارتبط اسم البابا شنودة دائمًا بحب مصر. فقد كان يرى أن الوطن مسؤولية مشتركة، وأن قوة مصر الحقيقية تكمن في وحدتها وتماسك أبنائها. لذلك كان يؤكد باستمرار أن المصريين جميعًا شركاء في وطن واحد، تجمعهم المحبة قبل أي اختلاف.

ومن عباراته التي حفظها المصريون عن ظهر قلب قوله الشهير:

"مصر ليست وطنًا نعيش فيه، بل وطن يعيش فينا."

لم تكن هذه الكلمات مجرد تعبير بل كانت فلسفة حياة. فقد دعا البابا شنودة دائمًا إلى التماسك الوطني والتعايش المشترك، وكان صوته صوت الحكمة الذي يهدئ النفوس ويؤكد أن الوطن يتسع للجميع.

ولهذا أحبته مصر بكل أطيافها؛ أحبته قلوب البسطاء كما احترمته عقول المثقفين، لأنه كان أبًا وطنيًا يحمل هموم وطنه في قلبه، ويؤمن أن بناء الإنسان هو الطريق الحقيقي لبناء الوطن.

الدور الروحي

أما على المستوى الروحي، فقد كان البابا شنودة أحد أبرز معلمي الكنيسة في العصر الحديث. فقد تميز بعظاته العميقة التي كانت تُلقى أسبوعيًا في الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، حيث كان الآلاف يأتون ليستمعوا إلى كلماته التي تمس القلب والعقل معًا.

تحدث عن التوبة والمحبة والتواضع، وركز على أن الحياة الروحية ليست مجرد طقوس، بل علاقة حقيقية مع الله تنعكس في سلوك الإنسان وتعاملاته اليومية.

كما كان شاعرًا وأديبًا، كتب العديد من القصائد الروحية التي عكست عمق تجربته الإيمانية، إلى جانب عشرات الكتب التي أصبحت من أهم المراجع الروحية في الكنيسة القبطية.

الدور التعليمي والثقافي

كان البابا شنودة أيضًا معلمًا ومثقفًا كبيرًا. فقد خدم الكنيسة في البداية كأسقف للتعليم في عهد البابا كيرلس السادس، وكان له دور مهم في تطوير التعليم الكنسي ومدارس الأحد.

وإلى جانب خدمته الرعوية، ترك تراثًا فكريًا ضخمًا يزيد على مئة كتاب في الروحيات واللاهوت والتفسير والتأملات الروحية. ومن أشهر هذه الكتب: حياة التوبة والنقاوة والانطلاق إلى الروح وسنوات مع أسئلة الناس، وقد تُرجمت بعض أعماله إلى لغات عديدة لتصل رسالته الروحية إلى المؤمنين في أنحاء العالم.

ليلة حزنت فيها مصر

وعندما جاءت لحظة الرحيل في مارس 2012، لم يكن الحزن حزن الكنيسة وحدها، بل حزن مصر كلها. فقد خرجت جموع كبيرة من المصريين لتوديع هذا الأب الذي عاش بينهم معلمًا ومرشدًا ومحبًا للوطن.

في تلك الليلة، بدت مصر وكأنها فقدت أحد أبنائها الكبار. ليلة باتت فيها مصر حزينة، لكنها كانت أيضًا ليلة وفاء ومحبة، عبّر فيها المصريون عن تقديرهم لرجل عاش عمره كله في خدمة الله والإنسان والوطن.

ذكرى لا تغيب

واليوم، بعد سنوات من نياحته، ما زالت كلمات البابا شنودة وتعاليمه حاضرة في وجدان الكثيرين. وما زال اسمه مرتبطًا بالحكمة والمحبة والوطنية.

لقد أحبته مصر لأنه أحبها بصدق.

وأحبته الكنيسة لأنه خدمها بإخلاص.

وأحبته الأجيال لأنه علّمها أن الإيمان الحقيقي يقود دائمًا إلى المحبة وخدمة الإنسان.

وهكذا تبقى سيرة البابا شنودة الثالث صفحة مضيئة في تاريخ مصر الحديث، تذكّرنا بأن الوطن يحتاج دائمًا إلى قلوب صادقة، وعقول حكيمة، وإيمان يعمل بالمحبة.