تاملات في الاحد الثالث من الخماسين المقدسة عند بئر الحياة… حين يتحول العطش إلى ينبوع لا ينضب

تاملات في الاحد الثالث من الخماسين المقدسة عند بئر الحياة… حين يتحول العطش إلى ينبوع لا ينضب
تاملات في الاحد الثالث من الخماسين المقدسة عند بئر الحياة… حين يتحول العطش إلى ينبوع لا ينضب


 


بقلم: القمص كيرلس صبحي

وكيل مطرانية طموه وتوابعها – دير أبي سيفين

باسم الآب والابن والروح القدس، إله واحد، آمين.

تُعدّ قصة لقاء السيد المسيح مع المرأة السامرية (يوحنا 4) واحدة من أعمق وأغنى النصوص الروحية في التراث الكنسي، إذ تتكرر قراءتها في أكثر من مناسبة رئيسية، مثل الصوم الكبير والخماسين المقدسة وصلاة السجدة، في تأكيد واضح على أنها ليست مجرد واقعة تاريخية، بل مسيرة إنسانية متكاملة تبدأ بالعطش وتنتهي بالارتواء الحقيقي.

في هذا المشهد الإنجيلي العميق، لا نرى فقط حوارًا بين المسيح وامرأة سامرية، بل نلمس قصة كل نفس تبحث عن الشبع وسط عالم لا يمنح إلا عطشًا متجددًا.

البحث عن الشبع الحقيقي

لم يكن مرور السيد المسيح بالسامرة صدفة، بل كان ضرورة إلهية، إذ "كان ينبغي أن يجتاز السامرة"، ليصل إلى نفس واحدة تائهة تحتاج إلى الخلاص. كانت السامرية تذهب يوميًا إلى البئر لتملأ جرتها، لكنها تعود عطشى، في صورة تعكس واقع الإنسان الذي يسعى لإشباع ذاته من ينابيع العالم: المال، والمكانة، واللذة، دون أن يجد الاكتفاء الحقيقي.

لكن المسيح يقدّم بُعدًا مختلفًا، إذ لا يعطي ماءً عاديًا، بل "ماءً حيًا" يصير في داخل الإنسان ينبوعًا دائمًا. هنا يتحول العطش من احتياج مادي إلى اشتياق روحي عميق، وتصبح لحظات الفراغ التي يعيشها الإنسان دعوة إلهية صادقة للجلوس مع الله عند بئر الصلاة.

التغيير من الداخل إلى الخارج

في رسالة معلمنا بولس الرسول إلى أهل كولوسي، نجد منهجًا واضحًا للتجديد الروحي: "اخلعوا الإنسان العتيق... والبسوا الإنسان الجديد". هذا ما تحقق فعليًا في حياة السامرية، التي لم تكتفِ بسماع كلمات المسيح، بل ترجمت اللقاء إلى تغيير حقيقي، فتركت ماضيها وارتدت ثوبًا جديدًا هو ثوب الشهادة.

الإيمان الحقيقي لا يُقاس بالكلمات، بل يتجلى في السلوك. فلا يمكن لمن شرب من "الماء الحي" أن يظل محتفظًا بالبغضة أو الكذب، بل تظهر حياته في الرأفة واللطف والتواضع والغفران. وهنا يصبح التسامح مع الآخرين هو الدليل العملي على صدق العلاقة مع الله.

المحبة هي البرهان

يؤكد القديس يوحنا الرسول أن المحبة هي العلامة الفارقة للحياة الجديدة: "نحن نعلم أننا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة لأننا نحب الإخوة". وقد تجسدت هذه الحقيقة في السامرية التي، بمجرد أن اختبرت المسيح، تركت جرتها وانطلقت لتدعو أهل مدينتها.

لقد تحولت من طالبة إلى شاهدة، ومن باحثة عن ماء إلى كارزة بالمسيح. وهكذا تكشف لنا القصة أن الإيمان ليس مجرد طقوس أو ممارسات، بل هو قلب ممتلئ بالمحبة يفيض على الآخرين، خاصة تجاه من يصعب التعامل معهم.

رسالة متجددة عبر الأزمان

إن تكرار قراءة هذا النص في أكثر من مناسبة كنسية يحمل دعوة مستمرة ومتجددة:

في الصوم الكبير، نتعلم أن التوبة هي لقاء شخصي مع المسيح يروي عطش الخطية.

وفي الخماسين المقدسة، نختبر أن المسيح القائم هو ينبوع الحياة الذي يغلب الموت والخوف.

أما في صلاة السجدة، فنطلب حلول الروح القدس، ذاك الذي يحول القلب إلى ينبوع حي دائم.

خلاصة الرسالة

تدعونا هذه القصة إلى ثلاث خطوات أساسية:

أن نترك "جرتنا"، أي كل ما يعطلنا عن الله ويستنزف طاقتنا دون شبع.

أن نعبد الله بالروح والحق، فنركز على عمق العلاقة لا على مظهرها.

أن نصير شهودًا حقيقيين للمسيح، ننقل ما اختبرناه إلى الآخرين بمحبة وصدق.

في النهاية، يبقى هذا اللقاء الإلهي دعوة مفتوحة لكل نفس عطشى، أن تقترب من بئر الحياة، لا لتملأ جرتها فقط، بل لتصير هي نفسها ينبوعًا يفيض بالحياة.

بصلوات قداسة البابا المعظم البابا تواضروس الثاني،

وشفاعة وبركة صاحب النيافة الحبر الجليل الأنبا صموئيل، أسقفنا المحبوب،

يحفظنا الرب في نعمته،

ولإلهنا كل مجد وكرامة من الآن وإلى الأبد، آمين.