الحرية في الطاعة.. على خطى أمير الشهداء مار جرجس الروماني عظة روحية بمناسبة عيد استشهاده

الحرية في الطاعة.. على خطى أمير الشهداء مار جرجس الروماني  عظة روحية بمناسبة عيد استشهاده
الحرية في الطاعة.. على خطى أمير الشهداء مار جرجس الروماني عظة روحية بمناسبة عيد استشهاده


 

بقلم القمص / كيرلس صبحي 

وكيل مطرانية طموه 

باسم الآب والابن والروح القدس، إله واحد، آمين.

في هذا اليوم المبارك، نحتفل بذكرى استشهاد بطل من أبطال الإيمان، لم تُصنع عظمته بالسيف ولا بالرتبة، بل بقلب عرف المسيح فصار حرًا حقًا. إننا أمام صورة حية للحرية الحقيقية، التي لا تُقاس بظروف الإنسان، بل بعلاقته بالله.

يعلن لنا رب المجد في إنجيل يوحنا قاعدة إلهية خالدة: "وتعرفون الحق، والحق يحرركم". هذه الحرية لم تكن فكرة نظرية في حياة مار جرجس، بل واقعًا عاشه بكل عمق. كان قائدًا عسكريًا عظيمًا، له مكانته وهيبته، لكنه لم يتكل على مركزه، ولم يخضع لتهديدات الإمبراطور دقلديانوس، لأنه ببساطة كان قد عرف "الحق"… عرف شخص المسيح. لذلك، حينما صدر أمر باضطهاد المسيحيين، وقف بشجاعة وسط القصر واعترف بإيمانه دون خوف، مدركًا أن هذا القرار قد يكلّفه حياته. دخل السجن، لكن روحه بقيت حرة، بينما كان الجالس على العرش مقيدًا بخوفه وعبوديته للأوثان. وهكذا يعلّمنا القديس أن الحرية ليست أن يفعل الإنسان ما يشاء، بل أن يملك القوة ليعيش بحسب الحق.

ومن عمق هذا الفهم، ندخل إلى ما يعلنه بولس الرسول في رسالة رومية عن "ختان القلب"، حيث لا تكون العلاقة مع الله مجرد مظهر أو اسم، بل حياة داخلية حقيقية. لم تكن قوة مار جرجس في مظهره العسكري أو مكانته الاجتماعية، بل في قلبه المكرّس لله. وحينما جُرّد من ملابسه العسكرية ونُزعت عنه كل كرامة أرضية، لم يفقد مجده، لأنه كان مرتديًا "ثوب المسيح" في داخله. كان وجهه يشع سلامًا وسط العذابات، لأنه لم يعتمد على ما هو خارجي، بل على نعمة ساكنة في قلبه. وهنا ندرك أن الله لا ينظر إلى المظاهر، بل إلى القلوب التي تحبه بصدق، وأن الإيمان ليس لقبًا نحمله، بل حياة نحياها.

وتقودنا هذه الحياة إلى بُعد أعمق، هو مخافة الله والصدق الداخلي. ففي سفر أعمال الرسل نرى كيف كان الكذب على الروح القدس سبب سقوط حنانيا وسفيرة، بينما يعلّمنا رسالة يوحنا الأولى أن من له رجاء في الله "يطهر نفسه كما هو طاهر". هذه الحقيقة تجسدت بوضوح في حياة مار جرجس، الذي واجه عذابات قاسية، وكان في كل مرة يُعرض عليه النجاة مقابل إنكار الإيمان أو مجرد المساومة، لكنه رفض. لم يكن ذلك عنادًا، بل ثمرة مخافة الله التي ملأت قلبه، فصار صادقًا مع نفسه ومع إيمانه حتى النهاية. بل إن ثباته هذا لم يكن شهادة شخصية فقط، بل كان سببًا في إيمان كثيرين ونوالهم إكليل الشهادة.

وهكذا، تكشف لنا حياة هذا الشهيد العظيم أن الحرية الحقيقية تُولد من الطاعة، وأن الإنسان لا يصير قويًا إلا حينما يسلم قلبه بالكامل لله. لقد عاش مار جرجس ثابتًا في الحق رغم الضغوط، شجاعًا لا بقوته بل بنعمة المسيح فيه، وجاعلًا حياته كلها مكرسة لشعار واحد: لا شيء يفصله عن محبة المسيح.

فلننظر اليوم إلى داخل قلوبنا، ونسأل أنفسنا بصدق: هل نعيش هذه الحرية؟ هل نحن أحرار من الخطية، من الخوف، من قيود العالم؟ أم ما زالت هناك أمور تستعبدنا من الداخل؟ إن الطريق مفتوح أمامنا، لنبدأ بداية جديدة، نطلب فيها من الله قلبًا نقيًا، وإرادة ثابتة، ونعمة تعيننا أن نحيا في الحق.

ليتنا نتعلم من هذا القديس العظيم، ونرفع قلوبنا قائلين:

يا رب، حرر قلوبنا بحضورك، وثبتنا في حقك، وامنحنا شجاعة لنعيش لك بأمانة حتى النفس الأخير.

يا أمير الشهداء مار جرجس الروماني،

اطلب من الرب عنا، ليقوي إيماننا، ويجعل حياتنا شهادة حية لمجده.

بصلوات أبينا المكرم البطريرك البابا المعظم الأنبا تواضروس الثاني 

وشريكه في الخدمة الرسولية أبينا الاسقف المحبوب نيافة الحبر الجليل الأنبا صموئيل أسقف طموه وتوابعها 

ولإلهنا كل المجد إلى الأبد، آمين.